
الروح .. كائن يشمله الغموض .. يقف أمام لغزه المحير أعظم وأكبر العلماء والمفكرين حائرين .. هذا الجسم الأثيري الذي يحوى في وجوده الحياة .. فيحرك الجسد كله .. إحساساً وانفعالا وتفكيراً .. في تنظيم مفصل ودقيق إلى درجة مذهلة .. ما هو ؟ من أين أتى ؟ وإلى أين يذهب ؟ هل هناك من حياة أخرى تعيش في محيطها الروح بعد أن تغادر الجسد الأرضي الترابي كلنا نعرف القليل .. علماء الروح مستمرون في دراساتهم وأبحاثهم لكشف النقاب عن هذا المجهول .
عالم هائل عظيم غامض في أكثره يشعر الإنسان بضآلته تجاهه .. فتغمر نفسه احاسيس الخوف والقلق والرهبة .. خشية من أغوار المجهول .. حياة قصيرة تلك التي يعيشها الانسان قياساً لعمر الزمن السحيق .. ونعود بعدها لنتابع الحياة في العالم الأخر .. الله يؤكد لنا ذلك .. وفلاسفة اليونان .. وفلاسفة الدين الإسلامي إلى جانب علماء الروح .. وغيرهم من المفكرين المحايدين في تفكيرهم .. الأمناء في نظرتهم العلمية التي تقودهم إلى الله خالق الكون العظيم ..كيف كان يفكر فلاسفة اليونان في مسألة الروح ؟ ما هو تعريفهم لها ..
تعريف الروح
يرى سقراط إن الروح فكرة خالصة لا تعرف التغير والتبدل ولا يعتريها الفساد .. والروح الطاهرة تتجمع وترتفع عن أدران الناس وسخفهم لتعيش مع الآلهة إلى الأبد .. أما الروح المدنسة التي انغمست في الشهوات فيتعذر عليها بعدئذ أن تتجرد .. وتخاف أن تدنو من العالم الأعلى .. فتتلكأ وتتثاقل حول المقابر .. أما إذا كانت موجودة قبل حلولها في الجسد فإن سقراط يؤكد ذلك ويؤكد كذلك خلودها إلى الأبد.
إما أفلاطون .. فهو يرى إن النفس أزلية أبدية .. كانت موجودة قبل حلولها في الجسد وستبقى إلى الأبد .. ويختلف رأى أرسطو عن أفلاطون في أزلية وأبدية النفس .. فهو يرى إن الله خلقها يوم خلق الجسد وستبقى إلى الأبد .. ولكنه كان حائراً في أمرها لأنه يراها أمر شديد الصعوبة .. أما فلاسفة الدين الإسلامي .. فقد اجتمعت آراؤهم على إن النفس تختلف عن الروح .. لان الله سبحانه وتعالى قد سمح بالبحث فى النفس وكنهها ورفض ذلك بالنسبة للروح .. لأنه يرى إن أمرها من أمره ولا يعرف الإنسان عنها إلا القليل الذي سمح له هو تعالى بمعرفته ..بدليل قوله تعالى " ويسألونك عن الروح , قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " إما النفس فقد سمح الله بالبحث في أمرها .. وما يدلنا على ذلك قوله تعالى " وفى أنفسكم ألا تتفكرون " و " الم يتفكروا في أنفسهم " ويرى ابن سينا الفيلسوف الإسلامي .. إن النفس صورة .. وإنها تنزل في الجسد إذا كان هو مستعداً لنزولها فيه أما الغزالي ..فهو يرى إن النفس جوهر قائم بذاته .. وهى خالدة الوجود.
وجود الروح
ويؤكد الدكتور مصطفى محمود أحد الفلاسفة المعاصرين وجود الروح قائلاً :
هذه الأنا التي تتصف بالحضور والديمومة والشخوص والكينونة والامتثال الدائم في الوعي .. مثل هذه النفس الآمرة لا يمكن أن تعتبر مجرد ناتج ثانوي من نواتج الجسد وذيلا ً تابعا ً له ومادة تطورت عنه .. إن مثل هذه النظريات لا تفسر لنا شيئاً .. وإنما لابد لنا أن نسلم أن هذه النفس عالية على الجسد متعالية عليه ..وإنها من جوهر مختلف عنه وهى حاكم عليه . وما الجسد إلا أداة لتحقيق ما تريد.. فلا يمكن أن تفنى الروح مثل الجسد بحكم جوهرها .
ويؤكد الله سبحانه وتعالى وجود الروح وإنها من روحه فيقول في آياته " الذي أحسن كل شيء خلقه . وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والإبصار والأفئدة وقليلاً ما تشكرون " .
للنفس صورة بعد الموت
ويتبادر إلى أذهاننا تساؤل يتشوق الإنسان إلى معرفة الإجابة عليه .. وهو هل للروح والنفس صورة وشكل وهل تكمن فيها قوى الإدراك بعد أن تغادر الجسد في رحلتها الأبدية .. يرى أحد الكتاب المفكرين إن الروح تفهم وتدرك وتتعرف على أحبائها وأصحابها الذين رحلوا قبلها وهم قادمون لمساعداتها ومعاونتها في لحظة الانفصال فيستقبلونها ويصطحبونها معهم .
وعندما مات إبراهيم ابن الرسول الكريم قال الرسول عليه الصلاة والسلام إن لإبراهيم مرضعا ً في الجنة وهذا دليل على إن إبراهيم يعيش هناك وله شكل وصورة .
ويقول على ابن أبى طالب إن للروح والنفس صورة وشكلا ً بعد الموت بقوله "عندما يقبض الله المؤمن يصير روحه في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون .. فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كان عليها في الدنيا " .. إذاً التميز يظل صفة تلازم الإنسان بعد الموت .
إذ يتحول جسده بعده إلى جسم شفاف أعلي مستوى من مستوى الأبدان الدنيوية ويؤكد الله أن للنفس شكلا ً وصورة فى قوله تعالى " ونفس وما سواها " والتسوية دليل التصوير والتشكيل .
إدراك النفس في العالم الأخر
والإدراك من مقومات النفس الكامنة بها الروح بعد مغادرتها للجسد الأرضي .. وذلك نتبينه من قوله تعالى " ألهمها فجورها وتقواها " والجسم هو الوسيلة التي تنفذ رغبات العقل الذي يصدر عنه الإدراك لكن الاتصال بين العقل والجسد لا يحدث إلا إذا سرت الروح في الجسد .
إذاً الإنسان يحيا رباعي التكوين .. فهو يعيش على الأرض بالبدن الترابي المحسوس وينتقل إلى العالم الأخر بالنفس التي تتركب من جسد شفاف وإدراك وروح وهذا الجسد يحوى في داخله قوى الإدراك والعقل والحياة وشخصية الفرد وذاتيته وكافة المشاعر التي تجعل من الإنسان إنساناً .. ويقف العلم إلى جانب الدين مؤيداً لانتقال الروح بكل شخصيتها وأخلاقها إلى العالم الأخر فقد ثبت مؤخراً إن هناك إشعاعات تنبعث من الإنسان فتكوًن ما يشبه الهالة .. وهى مجموعة من الاهتزازات الأبدية التي تحيط بجسمه وتعلو رأسه في شكل مخروطي .. وللهالة لون يتوقف على صفات الإنسان وأعماله .. وهذا اللون يتأثر بإرادة الإنسان ومشاعره وعواطفه وكل إنسان يستدل على أخلاقه وطباعه وعمله من لون هالته .. ووضع العلماء جدولاً بالألوان يبدأ بالأسود الذي يدل على منتهى الشر في نفس الإنسان ثم يتدرج إلى أن يصل إلى اللون الفاتح المضيء ويدل على الخير الشديد والنفس الطيبة لدى الشخص وما يؤكد وجود هذه الإشعاعات عندما ننظر إلى الآيات التي تقول " يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبإيمانهم , بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم "
لحظة الانتقال
تحتل هذه اللحظة اهتماما كبيراً في تفكير الإنسان .. لأنه يعرف إنه سيذوقها يوماً شاء ذلك أم أبى .. وتتوق نفسه الخائفة من المجهول إلى معرفة المزيد عنها .. عن لحظة الرحيل القادمة يوماً لا يعرف ميعاده .
أطلق العلماء على هذه اللحظة أسم صحوة الموت .. عندها تخف الآلام إذا وجدت ويكون الانتقال بعدها سهلاً ميسوراً .
وقد وصف السير آرثر كونان دويل مرور الصالحين إلى العالم الآخر بأنه غير مؤلم ويعقبه رد فعل عميق بالسلام .
أما السير آرثر فنلادى عميد معهد البحوث الروحية في لندن .. فهو يرى إن الموت سهل كالذهاب إلى النوم ثم التيقظ منه.. وإن جسم الإنسان الأثيري وهو النفس والروح .. ينسل من جسمه المادي حاملاً معه العقل ثم يصحو المرء فيجد نفسه في وسط جديد ويجد حياته الجديدة .
ولحظة الانتقال هذه قد تطول وقد تقصر .. ويتوقف على ذلك الألم المؤقت الذي يشعر به الشخص الذي يكون مسرحاً لهذا الانفصال فالموت المفاجئ .. كالذي يكون في اصطدام شديد أو على اثر انفجار تفارق النفس الجسد فيه بسرعة .. ونتيجة لهذه السرعة يصاب الجسم الأثيري بجروح وتسلخات .. وقد سئل الرسول الكريم عن الموت وشدته فقال :
إن أهون الموت بمنزلة حسكة في صوف فهل تخرج الحسكة من الصوف إلا ومعها صوف ؟
ويعنى النبي صلى الله عليه وسلم بأن الموت المفاجئ ليس سهلاً .
وقال تعالى من سورة النازعات : " والنازعات غرقاً " ومعناها جذب الروح وقت الموت بشدة وقال إبن مسعود كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل .. وهى إشارة صريحة لحالة الموت المفاجئ .
الموت البطيء
أما الموت البطيء فهو الذي يستمر فيه الاحتضار مدة طويلة وهو أسهل بكثير من الموت المفاجئ لأنه يسمح بخروج النفس كامنة فيها الروح من الجسد الترابي بسهولة وهدوء ورفق .
وتحدث لحظة الانفصال في اللحظة التي يغيب فيها الإنسان المريض عن الوعي فيجد نفسه بعدها في عالم آخر مختلف عن عالمه الأرضي .
أما السهولة والرفق في هذا النوع من الموت فتكمن في أن خلايا الجسم الأثيري تنفصل عن زميلاتها خلايا الجسم الأرضي في تؤدة ثم تقطع الصلة التي تربط بين النفس والجسد الأرضي ليحدث الانفصال الكامل .
ويذكر الله هذه العملية في صورة الإنعام 61 " وحتى إذا جاءكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون " .
النوم كالموت
وفى الواقع إن حالة الموت البطيء تحدث لكل شخص عند النوم .. فحينما يستغرق الإنسان في النوم غائباً عن الوعي .. تبدأ النفس في الانفصال عن الجسد في رفق ثم تنطلق .. إلى العالم الأخر العلوي وعندما تستوفى أغراضها من رحلتها هذه تعود إلى الجسد ثم تحدث اليقظة .
ويقول الدكتور"فورت بيل " الانجليزي : إن الموت الطبيعي أشبه بالاستسلام للنوم .. ففي الحالتين يفقد الإنسان إحساسه تدريجياً .. وفى حالة الاحتضار تقوم بعض المواد بتخدير المخ أثناء ذلك فلا يحس المحتضر بشيء أما خوف الناس من الموت فيرجع إلى توهمهم إنه مؤلم .
ويؤكد بعض الأطباء هذا الرأي الذي يدور حول سهولة الدخول في الموت .. ويتجلى لنا تشبيه الموت بالنوم قول جابر بن عبد الله عندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله .. أينام أهل الجنة ؟ قال :
" النوم اخو الموت والجنة لا موت فيها "
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " كما تنامون فكذلك تموتون وكما توقظون فكذلك تبعثون " .
ويقول الفخر الرازي في تفسير قول الله سبحانه وتعالى : " الله يتوفى الأنفس حين موتها , والتي لم تمت في منامها " .
من المؤكد إذاً إن النوم والموت من جنس واحد إلا إن الموت انقطاع تام والنوم انقطاع ناقص الوجوه .
ويقول الله تعالى في سورة النبأ 9 " وجعلنا نومكم سباتا" ويفسر الشيخ محمد عبده السبات بضم السين على أنه يعنى الموت .. وقد ربطت الآية بين النوم والموت لوحدة الشبه بينهما .